ابن ميثم البحراني
27
شرح نهج البلاغة
من ضرورة زوال الدنيا وانتقالها وبقاء الآخرة وما أعدّ لأهلها فيها من السعادة الباقية الَّتي اشتمل على تعديد أنواعها الكتاب العزيز والسنّة الكريمة ، وضرب لطالبهما مثلين ليكون ممّن أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة . فالمثل الأوّل : مثل من خبر الدنيا وعرف زوالها وانتقالها ، وخبر الآخرة وعرف بقائها وما أُعدّ فيها لأهلها ، ومثّلهم بقوم مسافرين فارقوا منزلا جديبا إلى منزل خصيب ، ووجه مطابقه هذا المثل أنّ النفوس البشريّة لمّا كانت في عالم المجرّدات ، وكانت الحكمة في هبوطها إلى هذا العالم ومقارنتها لهذه الهياكل الجسمانيّة الكثيفة في دار الغربة ومحلّ الوحشة من عالمها هو أن يحصل بواسطتها الكمالات العقليّة الَّتي إنّما تمكَّن لها بواسطتها ، ثمّ يرجع بعد الاستكمال عنها إلى عالمها الأعلى طاهرة عن علايق هذه الهياكل وهيئاتها الرديئة كما أخذ عليها في العهد القديم كانت كلّ نفس حفظت عهد ربّها وبقيت على صراطه المستقيم وهي المدّة المضروبة لها ناظرة بعين الاعتبار إلى أنّ الدنيا كالمنزل الجديب خال عن المطاعم الحقيقيّة والمشارب العذبة الهنيئة فهو لذلك غير صالح للاستيطان والإقامة ، وأنّ عالم الآخرة كالمنزل الخصيب والجناب المريع من وصل إليه مستقيما على أوامر اللَّه ونواهيه فاز بالمقاصد السنيّة واللذّات الباقية فكانت أبدا في طريق السفر في منازل طريق اللَّه والاستعداد للوصول إلى بهجة حضرته الشريفة محتملة لمشقّة ذلك السفر من معاناة الجوع والظماء ومقاساة السهر قصدا إلى سعة الدار ومنزل القرار لا تجد من ذلك ألما ولا تعدّ ما تنفقة من المال والعمر فيه مغرما ولا شيء أحبّ إليها من وسيلة تقرّبها إلى ذلك المنزل الَّذي أمّته والجناب الَّذي قصدته فأشبهت في ذلك من وصل إلى منزل جديب . ثمّ علم أنّ أمامه منزلا خصيبا فاقتضى رأيه الحسن أن يحتمل وعثاء السفر ومشقّته إليه ليحصل على الراحة الكبرى ، وأمّا المثل الثاني : فهو مثل أهل الدنيا الَّذين قادتهم نفوسهم الأمّارة بالسوء إليها فغفلوا فيها عمّا ورائها ونسوا عهد ربّهم وأعرضوا عمّا ذكروا به من آياته ، وشبّههم بقوم كانوا في منزل خصيب فنبأ بهم إلى منزل جديب ، فالمنزل الخصيب في هذا المثل هو الدنيا لأنّها محلّ سعادة أهلها ونعيمهم ، والمنزل